حسن البنا

19

نظرات في كتاب الله

وثاني العوائق : أنى لا أملك النسخ الأصلية ، ولم أجد من تلامذة البنا من يمتلك النسخ الأصلية ولا المصوّرة ، فمن كان يملكها من قبل أتت عليه المحن وما فيها من إضاعة لكل ثمين من كتب العلم ، ومن سلم من أيدي رجال الأمن ، لم يسلم من هاجس الخوف الذي يلاحقه أكثر من ملاحقة رجال الأمن له ، فلم يكن منه إلا أن تخلّص مما لديه من هذا التراث الإخوانى ، وبخاصة أن المحن كانت وراء بعضها البعض ، محنة تلو الأخرى . فلم يكن أمامى إلا أن أجمع ما لدىّ من أصول ، وأن أتمم ما ينقصني من ( دار الكتب المصرية ) وأنا أرجح - بل أجزم - أن ما جمعته ليس كل تراث الإمام الشهيد رحمه الله ، ولكن هذا هو جهد المقل ، وهذا ما في وسعى ، والله عز وجل يقول : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [ البقرة : 286 ] . وواجهتنى صعوبة ثالثة ، وهي : أن ما في دار الكتب قد تهالك ، وصار غير صالح للاطلاع ، بل صدرت أوامرهم هناك بأن النّسخ غير قابلة للاطلاع ، وما هو قابل للاطلاع ممنوع أن يصوّر ، مما كان يضطرنى إلى أن أجلس عدة ساعات أنسخ بيدي ما في الصّحف والمجلات ، وأدّخر هذا الجهد عند ربى سبحانه وتعالى ، وما كنت أحبّ أن أذكره ، ولكن أردت أن يقف القارئ معي على هذه المشاق . على أنّ من أهم الأسباب التي جعلتني أنسخ المقالات بيدي ، سببا مهما أذكره من باب التحدث بنعمة الله ، وهو : قلّة ذات اليد ، وكان التصوير مكلفا بالنسبة لي ، فقد كنت متخرجا حديثا في كلية الدعوة الإسلامية ، وقد منعت من تسلم تعييني في وزارة الأوقاف المصرية ، وأوصدت أمامى كلّ سبل الارتزاق ، وعندما أبلغت بقرار منعى من التعيين ، ساعتها تردد في أذني قول الله عز وجل : هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ [ المنافقون : 7 ] . وظلّ يزداد جرس هذه الآيات في أذني وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . وما هي إلا فترة وجيزة حتى رزقني الله من خزائنه التي لا يعلمها البشر الغافلون ، وقد كان لهذا التراث فضل - بعد الله عز وجل - في ذلك أيضا ، فقد ساهم في زواجى بالنصيب الأكبر : الكتابة عن شخصين من أحبّ الناس إلى قلبي ، بل هما أحب الناس